الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

32

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فخربت أورشليم واحترق المسجد ، وأسر ( طيطوس ) نيفا وتسعين ألفا من اليهود ، وقتل من اليهود في تلك الحروب نحو ألف ألف ، ثم استعادوا المدينة وبقي منهم شرذمة قليلة بها إلى أن وافاهم الإمبراطور الروماني ( أدريانوس ) فهدمها وخربها ورمى قناطير الملح على أرضها كيلا تعود صالحة للزراعة ، وذلك سنة 135 للمسيح . وبذلك انتهى أمر اليهود وانقرض ، وتفرقوا في الأرض ولم تخرج أورشليم من حكم الرومان إلا حين فتحها المسلمون في زمن عمر بن الخطاب سنة 16 ه صلحا مع أهلها وهي تسمى يومئذ ( إيلياء ) . وقوله : وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا يجوز أن تكون الواو عاطفة على جملة عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ عطف الترهيب على الترغيب . ويجوز أن تكون معترضة والواو اعتراضية . والمعنى : بعد أن يرحمكم ربكم ويؤمنكم في البلاد التي تلجئون إليها ، إن عدتم إلى الإفساد عدنا إلى عقابكم ، أي عدنا لمثل ما تقدم من عقاب الدنيا . وجملة وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً عطف على جملة عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ لإفادة أن ما ذكر قبله من عقاب إنما هو عقاب دنيوي وأن وراءه عقاب الآخرة . وفيه معنى التذييل لأن التعريف في لِلْكافِرِينَ يعم المخاطبين وغيرهم . ويومئ هذا إلى أن عقابهم في الدنيا ليس مقصورا على ذنوب الكفر بل هو منوط بالإفساد في الأرض وتعدي حدود الشريعة . وأما الكفر بتكذيب الرسل فقد حصل في المرة الآخرة فإنهم كذبوا عيسى ، وأما في المرة الأولى فلم تأتهم رسل ولكنهم قتلوا الأنبياء مثل أشعياء ، وأرمياء ، وقتل الأنبياء كفر . والحصير : المكان الذي يحصر فيه فلا يستطاع الخروج منه ، فهو إما فعيل بمعنى فاعل ، وإما بمعنى مفعول على تقدير متعلق ، أي محصور فيه . [ 9 ، 10 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 9 إلى 10 ] إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ( 9 ) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 10 ) استئناف ابتدائي عاد به الكلام إلى الغرض الأهم من هذه السورة وهو تأييد